ابن حمدون
20
التذكرة الحمدونية
ليلة ، فتغديت يوما عنده ، فلما تفرّق الناس نهضت للقيام فقال : على رسلك أيها الرجل ، فقعدت فقال : أيّ الأمرين أحبّ إليك : المقام عندنا ، ولك النّصفة في المعاشرة والمجالسة مع المواساة أم الشخوص ولك الحباء والكرامة ؟ فقلت : فارقت أهلي وولدي على أني زائر لأمير المؤمنين وعائد إليهم ، فإن أمرني اخترت فناءه على الأهل والولد . فقال : بل أرى لك الرجوع إليهم فإنهم متطلَّعون إلى رؤيتك ، فتحدث بهم عهدا ويحدثون بك مثله ، والخيار بعد في زيارتنا والمقام فيهم إليك ، وقد أمرنا لك بعشرين ألف دينار وكسوناك وحملناك ، أتراني ملأت يديك ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين أراك ذاكرا ما رأيت عن نفسك ، قال : أجل ولا خير في من ينسى إذا وعد ، ولا ينسى إذا أوعد ، ودّع إذا شئت ، صحبتك السلامة . « 21 » - أحضر الحجاج رجلا من الخوارج فمنّ عليه وأطلقه ، فلما عاد إلى أصحابه قالوا له : إنّ اللَّه تخلَّصك من يده ليزيدك بصيرة في مذهبك ، فلا تقصّر في الخروج عليه ، فقال : هيهات غلّ يدا مطلقها ، واسترقّ رقبة معتقها . « 22 » - دخل هارون بن أبي زياد مؤدب الواثق على الواثق ، فأكرمه وأظهر من برّه ما شهره به ، فقيل له : يا أمير المؤمنين من هذا الذي فعلت به ما فعلت ؟ قال : هذا أوّل من فتق لساني بذكر اللَّه تعالى وأدناني من رحمته . « 23 » - ومن الوفاء المستحسن ما روي عن أبي زكَّار الأعمى ، وهو مغنّ منقطع إلى آل برمك ، قال مسرور الكبير : لما أمرني الرشيد بقتل جعفر بن يحيى دخلت وعنده أبو زكار الأعمى الطَّنبوريّ يغنيه : [ من الوافر ]
--> « 21 » البصائر : 5 ( رقم : 658 ) وزهر الآداب : 855 وأخبار أبي تمام : 205 ومصورة تاريخ ابن عساكر 4 : 232 وتهذيب ابن عساكر 4 : 66 وربيع الأبرار 4 : 327 ( ووهم فجعل قطريا هو المأسور ) والمستطرف 1 : 238 . « 22 » الإيجاز : 20 . « 23 » الأغاني 7 : 222 ، 12 : 188 والمستطرف 1 : 204 والبيت لكثير عزّة .